عند الفجر، تتسلل المياه عبر قناة ترابية ضيقة بين صفوف النخيل في واحة الجبل، كما فعلت منذ مئات السنين. غير أن المشهد القديم تغيّر قليلًا: فعلى حافة القناة صندوق صغير يحمل مستشعرًا يقيس رطوبة التربة ويرسل البيانات إلى هاتف المزارع. هنا تلتقي الذاكرة الزراعية الطويلة للواحات مع أدوات الاقتصاد الأخضر، في تجربة يتابعها خبراء التنمية عن كثب.
الماء أولًا
تعتمد الواحة على شبكة قنوات تقليدية توزّع المياه على المزارع وفق أدوار متفق عليها بين العائلات. وخلال العامين الماضيين، أضافت جمعية المزارعين مضخات تعمل بالطاقة الشمسية وخزانات صغيرة لتجميع المياه ليلًا، ما قلل الفاقد بنسبة تقارب 30 في المئة بحسب بيانات الجمعية.
ويقول رئيس الجمعية: «لا نريد أن نستبدل القنوات القديمة، بل أن نجعلها أكثر كفاءة. فالتقنية التي لا تحترم نظام توزيع الماء بين الناس لن تنجح هنا».
تمور وحِرف وسياحة هادئة
بدأت الواحة أيضًا بتنويع مصادر دخلها. وتشمل أبرز المبادرات:
- مشغل تعاوني لتعبئة التمور ومنتجاتها بعلامة محلية موحدة وتغليف قابل لإعادة التدوير؛
- بيوت ضيافة صغيرة في منازل الطين المرمّمة تستقبل ما لا يزيد على عشرين زائرًا في الليلة؛
- مسارات مشي مع مرشدين من أبناء الواحة بين المزارع والآبار القديمة؛
- سوق شهري للحرفيين يعرض منتجات من سعف النخيل والفخار والنسيج.
«الواحة ليست متحفًا نعرضه للزوار؛ هي بيت يعيش فيه ناس، والسياحة التي تنجح هي التي تحترم هذا البيت.» — إحدى مرشدات المسارات في واحة الجبل

حكاية مشغل صغير
في أحد أزقة الواحة، تقف سلمى، وهي خريجة علوم أغذية عادت من المدينة قبل ثلاث سنوات، أمام طاولة طويلة تفرز عليها التمور بحسب الحجم واللون. بدأت مشروعها بثلاث عاملات وقرض صغير من مبادرة لدعم المشاريع الريفية، وتشغّل اليوم أربع عشرة امرأة من القرية، وتبيع منتجاتها عبر متجر إلكتروني إلى مدن لم تزرها الواحة من قبل.
وتقول إن أصعب ما واجهته لم يكن الإنتاج بل التغليف والشحن: «كنا نصنع منتجًا ممتازًا ثم نفقد نصف قيمته في العلبة والوصول». وبعد عدة تجارب اعتمدت المشغل عبوات من الكرتون المعاد تدويره وتعاقدت مع شركة نقل تبرّد الشحنات صيفًا، فانخفضت نسبة المرتجعات إلى أقل من 3 في المئة. وتتطلع إلى توسيع المشغل ليشمل مركزًا للتدريب يستقبل فتيات من القرى المجاورة.
أسئلة معلّقة
غير أن الطريق ليس مفروشًا بالنجاحات. فالتمور المحلية تواجه منافسة من منتجات مصنعة على نطاق واسع، وارتفاع الحرارة يهدد بعض الأصناف الأكثر حساسية. ويقول باحث في معهد الزراعة الجافة إن الواحة بحاجة إلى «تجارب محلية صغيرة تُقاس نتائجها بدقة قبل تعميمها»، محذرًا من الاعتماد على السياحة وحدها. ويضيف أن الأصناف المحلية القديمة تحمل صفات مقاومة للحرارة والملوحة قد تكون كنزًا وراثيًا يستحق التوثيق والحفظ، وأن المعهد بدأ بالتعاون مع المزارعين في إنشاء بنك صغير للفسائل المحلية.
أما على صعيد التمويل، فتحتاج مشاريع الواحة إلى دعم متدرج يراعي حجمها الصغير. وتقترح الجمعية صندوقًا دوّارًا تُقدَّم منه قروض ميسّرة للمزارعين تُسدَّد من عائد الموسم، وتؤكد أن الشفافية في إدارة الصندوق شرط لنجاحه واستمراره.
ويطرح شباب الواحة سؤالًا آخر: هل تكفي هذه الأنشطة لإقناع من غادروا إلى المدن بالعودة؟ تقول إحدى الخريجات التي افتتحت مشغلًا للتمور إن الجواب «يبدأ بخدمات جيدة وإنترنت مستقر وفرص عمل بأجر عادل».
ما بعد التجربة
تعمل الجمعية بالتعاون مع بلدية المنطقة على خطة لخمس سنوات تتضمن مدرسة مهنية للزراعة الحديثة ومحطة معالجة صغيرة لمياه الصرف، وتأمل في أن تتحول الواحة إلى نموذج يمكن للتجمعات المشابهة الاستفادة منه. وبين النخيل وأضواء المستشعرات، تحاول واحة الجبل أن تثبت أن الاقتصاد الأخضر لا يعني قطيعة مع الماضي، بل طريقة جديدة لحمايته.