في السابعة صباحًا، لا يحتاج سائق الحافلة في حي الياسمين إلى النظر إلى ساعته. شاشة صغيرة أمامه تخبره بأن إشارتين متتاليتين ستتحولان إلى الأخضر خلال ثلاثين ثانية، وأن عدد الركاب المنتظرين في المحطة التالية أكبر من المعتاد، فيخفف السرعة قليلًا ليصل في الوقت المناسب. هذا المشهد البسيط هو أحد وجوه مشروع «الشارع المتصل» الذي تنفذه بلدية مدينة الربيع، وواحد من عشرات المشاريع التي تغيّر إيقاع الحياة اليومية في المدن التي بدأت تعتمد على البيانات في إدارة خدماتها.
إشارات تتحدث مع السائقين
بدأت التجربة قبل عامين بتركيب مستشعرات في 140 تقاطعًا رئيسيًا، تقيس كثافة السير وسرعته وتمرّر القراءات إلى مركز التحكم المركزي. وبحسب بيانات البلدية، انخفض متوسط زمن الانتظار عند التقاطعات المشمولة بنحو 22 في المئة، فيما تراجع زمن الرحلة بين الأحياء السكنية والمنطقة التجارية من 41 دقيقة إلى 33 دقيقة في ساعات الذروة.
ولا يقتصر الأمر على الإشارات الضوئية؛ فتطبيق النقل العام الذي أُطلق في الربيع الماضي يعرض الآن مواقع الحافلات لحظة بلحظة، ويقترح مسارات بديلة عند تأخر أحد الخطوط، ويتيح الدفع بالبطاقة أو بالهاتف دون تعامل نقدي.
خدمات بلا طوابير
في الجانب الإداري، تحولت معظم المعاملات المتكررة إلى خدمات رقمية. وتشمل القائمة التي أعلنتها الجهة المشغّلة للمنصة:
- تجديد تراخيص المحال التجارية خلال ثلاثة أيام عمل بدل أسبوعين؛
- حجز مواعيد المراكز الصحية الأولية وتعديلها من الهاتف؛
- الإبلاغ عن أعطال الإنارة وحفر الطرق مع صورة وموقع تلقائي؛
- تتبع حالة الطلبات المقدمة إلى البلدية عبر إشعارات فورية.
وتقول إحدى ساكنات حي الياسمين، وهي معلمة، إن أكثر ما لاحظته هو «توفير الوقت الذي كان يضيع في الانتظار»، لكنها تضيف أن كبار السن في عائلتها ما زالوا يفضلون الذهاب إلى المكتب مباشرة.
«التقنية وسيلة لا غاية؛ ما نقيسه هو الدقائق التي نعيدها إلى الناس، لا عدد المستشعرات التي نركّبها.» — المتحدثة باسم بلدية مدينة الربيع

الخصوصية والفجوة الرقمية
غير أن التحول لا يخلو من أسئلة. يشير باحثون في مركز دراسات المدن إلى أن جمع البيانات بكثافة يتطلب سياسات واضحة لحفظها وتحديد مدة الاحتفاظ بها ومن يحق له الاطلاع عليها. وتقول البلدية إن بيانات الحركة تُجمَّع دون ربطها بهوية الأفراد، وإنها تُحذف تلقائيًا بعد تسعين يومًا.
أما الفجوة الرقمية فتبقى التحدي الأكبر: فليس كل السكان يملكون هاتفًا ذكيًا أو يجيدون استخدامه. لذلك افتُتحت خمسة مراكز خدمة مجتمعية تساعد المراجعين على إنجاز معاملاتهم، وتنظم دورات قصيرة مجانية للمبتدئين، حضرها أكثر من أربعة آلاف مشارك منذ بداية العام.
الاقتصاد المحلي في قلب الحسابات
ولا تقتصر آثار التحول على السكان؛ فأصحاب المحال الصغيرة يلاحظون بدورهم الفرق. يقول صاحب مخبز في الحي التجاري إن تراخيص التجديد السريعة وخرائط الازدحام ساعدته في تحديد أوقات التوصيل، «فصرنا نعرف متى نخرج بالطلبات ومتى ننتظر». كما تتيح البلدية للشركات الناشئة الاطلاع على بيانات مجمّعة مفتوحة، مثل أنماط الحركة بين الأحياء، لتطوير تطبيقات جديدة للتوصيل والسياحة.
طاقة أقل وإنارة أذكى
وفي ملف الطاقة، استبدلت البلدية آلاف مصابيح الإنارة العامة بمصابيح خافتة تلقائيًا عند غياب المارة، ما خفض استهلاك الكهرباء في هذا القطاع بنحو الثلث خلال عام واحد، بحسب أرقام الجهة المشغّلة. ويضيف مسؤول في قسم الصيانة أن المستشعرات تكشف الأعطال قبل أن يبلّغ عنها السكان، وهو ما قلّص زمن الإصلاح من أربعة أيام إلى يومين في المتوسط.
ماذا بعد؟
تخطط البلدية خلال العام المقبل لتوسيع شبكة المستشعرات إلى 400 تقاطع، وإطلاق لوحة بيانات مفتوحة يطلع عليها المقيمون لمعرفة مؤشرات النقل والنظافة والطاقة في أحيائهم. ويرى خبراء التخطيط الحضري أن نجاح التجربة سيُقاس بمدى شعور السكان بالفارق في حياتهم اليومية، لا بعدد الأجهزة المركّبة في الشوارع.
وبين الحماسة والحذر، تبدو المدن الذكية اليوم أقرب إلى ورشة مفتوحة منها إلى مشروع منجز؛ كل تحسين جديد يفتح أسئلة جديدة، وكل سؤال يحتاج إلى نقاش عام قبل أن يتحول إلى قرار.
4 تعليقات
تقرير متوازن. أتمنى أن تُنشر لوحة البيانات المفتوحة قريبًا لنتابع الأرقام بأنفسنا.
الخدمات الرقمية وفرت علينا وقتًا فعلًا، لكن مراكز المساعدة للكبار خطوة مهمة جدًا.
سؤال الخصوصية هو الأهم، وجميل أن التقرير تطرق إليه بوضوح.
هل ستُوسَّع التجربة لتشمل الأحياء الطرفية؟