في سوق «باب الخليج» لا تحتاج إلى تقويم لتعرف أي موسم نحن فيه. ففي أسابيع العودة إلى المدارس تمتلئ الواجهات بالحقائب والدفاتر، ومع أول برد الخريف تتصدر المعاطف والبطانيات واجهات المحال، ثم تتحول الأضواء إلى مستلزمات المهرجانات والأعياد. هذه الدورة الموسمية، التي تبدو عادية للمتسوق، هي في الحقيقة محرك أساسي لاقتصاد المدينة، ومصدر قلق دائم لأصحاب المنشآت الصغيرة الذين يعيشون بين موسم ذروة وآخر راكد.
الذروة التي تحمل العام كله
تشير بيانات مسح أجرته غرفة تجارة الميناء على 600 منشأة صغيرة ومتوسطة إلى أن نحو 40 في المئة من المبيعات السنوية لقطاع التجزئة تتحقق في ثلاثة أشهر فقط. وفي قطاع السياحة يتركز أكثر من نصف الحجوزات الفندقية بين نوفمبر ومارس، بينما تنخفض نسب الإشغال في الصيف إلى أقل من الثلث في بعض المناطق.
ويقول صاحب متجر للقرطاسية في السوق إن «الأسابيع الأربعة الأولى من العام الدراسي تعادل ما أبيعه في ستة أشهر أخرى»، موضحًا أنه يبدأ التحضير قبل ذلك بثلاثة أشهر عبر التفاوض مع الموردين وتأمين المخزون وتوظيف عاملين مؤقتين.
كيف تُدار الفجوة بين موسمين؟
يلجأ أصحاب الأعمال إلى مجموعة من الأساليب لتخفيف أثر التقلب. وتلخّص غرفة التجارة أبرزها فيما يلي:
- تنويع المنتجات بحيث يغطي المتجر موسمين مختلفين، كالجمع بين مستلزمات الرحلات والأدوات المنزلية؛
- الاعتماد على العقود الموسمية والتوظيف المؤقت بدل توسيع الجهاز الدائم؛
- تقديم عروض مبكرة وحجوزات مسبقة لتوزيع الطلب على فترة أطول؛
- البيع عبر المنصات الرقمية للوصول إلى أسواق لا تتزامن مواسمها مع السوق المحلية؛
- تكوين احتياطي نقدي خلال الذروة لتغطية أشهر الركود وتجديد المخزون.
«النجاح في الأسواق الموسمية لا يُقاس بحجم المبيعات في الذروة، بل بقدرة المنشأة على الصمود في الأشهر الهادئة.» — رئيس لجنة التجزئة في غرفة تجارة الميناء

السياحة الشتوية وبيوت الضيافة
أما في الواجهة البحرية، فتستعد الفنادق وبيوت الضيافة لموسم الشتاء الذي يستقطب زوارًا من المدن الداخلية. وتقول مديرة فندق صغير إن الحجوزات المبكرة بدأت قبل شهرين، لكنها تتعامل مع الأرقام بحذر: «تعلمنا أن نبني الجدول على عدد الغرف التي نستطيع خدمتها بجودة، لا على أقصى ما نستطيع بيعه». وتتعاون عدة منشآت متجاورة على إعداد حزم مشتركة تجمع الإقامة والمطاعم والجولات البحرية، لتوزيع الزوار على أيام الأسبوع وعدم تركيزهم في عطلة نهاية الأسبوع وحدها.
من الحقل إلى المبرّد
في القطاع الزراعي تتحكم المواسم في كل شيء، من أسعار الخضار إلى جدول عمل مصانع التعليب. وتحاول تعاونية «سهل الغدير» الزراعية تقليل هذا التذبذب عبر استثمار في مبردات تخزين تتيح بيع الفواكه والتمور خارج موسم الحصاد بأسعار أكثر استقرارًا. ويقول مدير التعاونية إن «التخزين الجيد يحوّل موسم الحصاد من سباق مع الوقت إلى جدول بيع مدروس»، مشيرًا إلى أن الخسائر بعد الحصاد انخفضت من 18 إلى 7 في المئة خلال ثلاث سنوات.
أما المصانع الغذائية الصغيرة فتنتقل من خط إنتاج إلى آخر بحسب الموسم: عصائر وبعد ذلك مخللات ثم حلويات خاصة بالأعياد، وهو ما يتطلب معدات مرنة وعمالة قادرة على التنقل بين المهام.
الأسواق الرقمية تغيّر الإيقاع
يرى اقتصاديون أن التجارة الإلكترونية بدأت تخفف من حدة الموسمية، إذ تتيح للتاجر بيع منتجاته لعملاء في مناطق تختلف فيها المواسم، كما تساعد بيانات المبيعات على التنبؤ بالطلب قبل أسابيع. غير أن هذه الأدوات، بحسب الخبراء، لا تغني عن التخطيط المالي الحذر والمرونة في التشغيل.
وبين محال تستعد للموسم القادم ومزارع تحصي محصولها، يبدو أن الأسواق المحلية تتعلم أن الموسمية ليست عيبًا يجب إخفاؤه، بل إيقاعًا يمكن إدارته بالمعرفة والتنظيم. ملاحظة: هذا الملف إخباري وتحليلي عام، ولا يمثل نصيحة استثمارية أو مالية.