في زقاق ضيق بمدينة الندى، تفتح مكتبة «الوراق الأخير» أبوابها كل مساء بعد أن ظلّت مغلقة أحد عشر عاماً. الرفوف الخشبية القديمة ما زالت في مكانها، لكن الأرض الفسيحة بينها تحولت إلى منصة صغيرة تتسع لسبعين مقعداً، تُعرض عليها مسرحيات قصيرة وأمسيات قراءة وحكايات للأطفال.
بدأ كل شيء بمجموعة من ثمانية متطوعين، بينهم معلمة متقاعدة ونجّار ومصمم غرافيك وطالبة مسرح، اجتمعوا لتنظيف المكان في عطلة نهاية أسبوع. ثم جاء آخرون، وتبرّع أصحاب البيوت المجاورة بكتب قديمة وكراسٍ وستائر، حتى اكتمل المشهد خلال ستة أشهر.
سوق الورّاقين كما كان
يحمل الحي اسمه من سوق قديم كان يعجّ بنسّاخ الكتب وباعة الأوراق والأحبار. وتروي المعلمة المتقاعدة، وهي إحدى مؤسسات المبادرة، أن جدتها كانت تصحبها إلى هنا في طفولتها «لتشتري دفتراً وقلماً وتسمع الرجال يتحدثون عن الكتب كما يتحدث الناس عن الأقارب».
مع الزمن انتقلت المتاجر إلى مجمعات حديثة وفقد الزقاق حركته. ويقول منسّق المبادرة إن الفريق لم يسعَ إلى «استعادة الماضي كما كان»، بل إلى «إيجاد وظيفة جديدة للمكان تحترم ذاكرته».
وعثر المتطوعون أثناء التنظيف على صندوق خشبي يضم دفاتر حسابات قديمة وبطاقات بريدية وصوراً بالأبيض والأسود، وهي اليوم معروضة في زاوية صغيرة عند المدخل بعنوان «ما وجدناه تحت الغبار»، ويمكن للزوار إضافة ذكرياتهم الخاصة على أوراق صغيرة تُعلَّق إلى جانبها.
برنامج الشهر
يتضمن البرنامج الحالي أنشطة متنوعة على مدار الأسبوع:
- «حكاية الخميس»: سرد شفهي للأطفال بمرافقة آلات إيقاعية بسيطة؛
- «ليلة قراءة»: يقرأ فيها ضيف من أهل الحي نصاً يحبه ويحاوره الجمهور؛
- ورشة خط وزخرفة كل سبت يقودها حِرفي من الحي؛
- «مسرح الرفوف»: عروض قصيرة لا تتجاوز عشرين دقيقة تُقدَّم بين الكتب مباشرة.
«لا نملك ميزانية كبيرة، لكن عندنا ما هو أثمن: جيران يأتون بكرسيّ أو طبق حلوى أو فكرة.» — منسّق المبادرة

وجوه خلف المشروع
النجّار الذي أعاد صنع الرفوف المكسورة رفض أن يتقاضى أجراً، واشترط فقط أن يبقى اسم والده محفوراً بقلم صغير على أحد الألواح، فقد كان والده يبيع الورق في هذا الزقاق قبل نصف قرن. أما مصمم الغرافيك فابتكر شعار المكتبة، وهو كتاب مفتوح تخرج من صفحتيه نافذة مضاءة، وطبعه على أكياس قماشية تُباع لدعم المبادرة.
ويقول أحد الجيران، وهو سائق متقاعد، إنه لم يدخل مكتبة منذ شبابه، لكنه صار اليوم يحضر «ليلة قراءة» كل أسبوع. «اكتشفت أنني أحب الاستماع، وأن للقصة صوتاً مختلفاً حين يقرؤها شخص أعرفه»، كما يقول.
اقتصاد صغير يتنفس
لم تقتصر الفائدة على الجانب الثقافي. فقد أعاد افتتاح المكتبة الحياة إلى محلات مجاورة: مقهى صغير يبيع المشروبات الساخنة قبل العروض، وورشة تجليد استأنفت العمل بعد توقف، وبائع ورق وأقلام فتح بسطة أمام المدخل. ويقدّر أصحاب المحلات أن حركة الزبائن في المساء تضاعفت تقريباً.
وتعتمد المبادرة في تمويلها على تبرعات صغيرة وبيع تذاكر رمزية ورعاية من مطبعة محلية، في حين يظل عدد من المقاعد مجانياً لطلاب المدارس وكبار السن.
تحديات الاستمرار
لا تخلو التجربة من الأسئلة. فالمبنى القديم يحتاج إلى ترميم أعمق لتحسين التهوية ومخارج الطوارئ، والمتطوعون أنفسهم يدركون أن الحماس وحده لا يكفي لسنوات طويلة. لذلك تعمل المبادرة مع معهد الحرف التراثية على خطة صيانة تدريجية، وتبحث عن صيغة تنظيمية تضمن بقاء المكان للأهالي لا للمستثمرين فقط.
وتفكر المبادرة في إطلاق «بطاقة الجار»، وهي عضوية رمزية تمنح حاملها أولوية الحجز في الأمسيات وحق المشاركة في اختيار برنامج الشهر، على أن تُخصَّص إيراداتها لصيانة المبنى. ويؤكد المنسّق أن القرار النهائي سيُطرح على اجتماع مفتوح لأهل الحي قبل اعتماده.
وتقول الطالبة التي تُخرج أولى مسرحياتها هناك: «حين أصعد إلى المنصة أشعر أن الكتب تنظر إليّ من الخلف، وكأنها تصفّق قبل أن أبدأ». وبين تصفيق الكتب وتصفيق الجمهور، يبدو أن حي الوراقين وجد طريقه ليكتب فصلاً جديداً.