قبل عام، كان المحرر في منصة «أفق» الإخبارية يقضي ساعة ونصفاً في تفريغ مقابلة مدتها أربعون دقيقة. اليوم يحصل على نص أولي خلال دقائق، ثم يخصص وقته لما لا تستطيع الآلة فعله: التحقق من كل جملة، واختيار الاقتباس الأقوى، وتقرير ما إذا كانت المقابلة تستحق النشر أصلاً.
بدأت التجربة بمشروع صغير داخل قسم الفيديو، ثم توسعت تدريجياً حتى شملت معظم الأقسام. ويقول رئيس التحرير الرقمي إن الهدف لم يكن «استبدال أحد»، بل «إعادة توزيع الوقت من المهام المتكررة إلى العمل الذي يميّز الصحافة».
أين دخلت الأدوات فعلاً؟
بحسب فريق المشروع، تتركز الاستخدامات في خمسة مجالات:
- تفريغ المقابلات والمؤتمرات الصحفية إلى نصوص قابلة للبحث؛
- إعداد ملخصات أولية للتقارير الطويلة لمساعدة المحرر على تحديد الأولويات؛
- اقتراح وسوم وتصنيفات للمواد المؤرشفة، ما سهّل العثور على مواد عمرها سنوات؛
- ترجمة أولية للنصوص تُراجَع بشرياً قبل أي استخدام؛
- المطابقة بين الأرقام الواردة في النص والجداول المرفقة وتدقيق الأخطاء الإملائية.
وتشير بيانات داخلية للمنصة إلى أن زمن إعداد النشرة اليومية انخفض بنحو الثلث، بينما ارتفع عدد المواد التي تُراجَع مرتين قبل النشر.

الخطأ ممكن دائماً
لا يخفي الفريق حدود هذه الأدوات. فقد رصدت مسؤولة التحقق في المنصة حالات أنتج فيها الملخص الآلي معلومة غير موجودة في المصدر، أو بدّل صيغة رقم من «ألف» إلى «مليون». وتقول: «الأداة تكتب بثقة كبيرة حتى حين تُخطئ، ولهذا وضعنا قاعدة صارمة: لا شيء يُنشر قبل أن يقارنه إنسان بالمصدر الأصلي».
«الآلة تختصر الطريق، لكنها لا تتحمل مسؤولية الوجهة. المسؤولية تبقى على من يحمل اسمه على الخبر.» — رئيس التحرير الرقمي
قواعد مكتوبة وواضحة
لتجنّب الغموض وضعت المنصة دليلاً داخلياً من صفحتين يُسلَّم لكل محرر جديد. أبرز ما فيه:
- يُعلَن للقارئ كلما استُخدمت أداة آلية في إنتاج مادة، بصيغة بسيطة ومباشرة؛
- لا تُدخَل مواد سرية أو بيانات شخصية للمصادر في أي أداة خارجية؛
- لا تُنشر صورة أو مقطع مولَّد آلياً على أنه توثيق لحدث حقيقي؛
- يُسجَّل في ملف المادة نوع الأداة والغرض من استخدامها، ليسهل التدقيق لاحقاً.
تدريب قبل أي شيء
يرى مدير التدريب أن أصعب جزء لم يكن التقنية نفسها بل العادات. فبعض المحررين كانوا يثقون بالنتائج أكثر مما ينبغي، وآخرون رفضوها كلياً. وللتعامل مع الفريقين نظّمت المنصة ورشاً قصيرة تُعرض فيها أمثلة لأخطاء حقيقية وقعت داخل الغرفة وكيف جرى اكتشافها.
وتحولت هذه الورش إلى جلسات أسبوعية يتبادل فيها المحررون ملاحظاتهم وحيلهم الصغيرة، بل ظهرت أدوار جديدة، منها «منسّق الأدوات» الذي يتابع التحديثات ويختبرها قبل اعتمادها.
أسئلة ما زالت مفتوحة
لا تدّعي المنصة أنها حسمت كل شيء. فما زال النقاش مفتوحاً داخل الغرفة حول مسألة الإفصاح: هل يكفي سطر صغير في أسفل المقال، أم يجب أن يظهر التنبيه في أعلاه؟ وهناك تساؤل آخر عن الأرشيف: إذا اعتمدت الأدوات على مواد المنصة نفسها في اقتراح الوسوم، فهل تتكرر الانحيازات القديمة في التصنيف؟ ولذلك شكّلت المنصة لجنة صغيرة تراجع عينة عشوائية من الوسوم المقترحة كل شهر.
وفي المقابل، يشير بعض المحررين الشباب إلى فائدة غير متوقعة، فهم يقولون إن الأدوات منحتهم وقتاً لتجربة أشكال جديدة من القصص، مثل الخطوط الزمنية التفاعلية والمقاطع القصيرة التي تشرح خلفية الخبر.
ماذا يعني ذلك للقارئ؟
الفائدة الأوضح للقارئ، كما يراها فريق المنصة، هي سرعة الوصول إلى الخلفية: خط زمني للقضية، وروابط لمواد سابقة، وملخص قصير في أعلى الصفحة. أما الخطر الأكبر فهو الاعتياد على نصوص متشابهة بلا نكهة. ولذلك يصرّ المحررون على أن الأسلوب والزاوية يظلان عملاً بشرياً.
وبعد عام من التجربة، يلخّص رئيس التحرير الدرس هكذا: التقنية تقدّم مسودة، لكن الصحافة تبدأ حين يسأل إنسان «هل هذا صحيح؟ وهل هذا مهم؟».
3 تعليقات
مقال متوازن. أعجبتني قاعدة أن يقارن إنسان كل ملخص بالمصدر الأصلي.
هل ستنشرون الدليل الداخلي كاملاً؟ سيفيد المحررين المبتدئين.
أتمنى مقالاً مماثلاً عن استخدام هذه الأدوات في التعليم.